سيرة ذاتية تخصنا جميعًا

ما لذي يدفعنا إلى القيام بما نقوم به حاليا؟

لو أن واحدً منا في لحظة تأمل واقعه الحالي سأل نفسه: كيف وصلتُ إلى هنا؟ 

وبصيغة أخرى: لماذا أنا هنا؟ 

وبصيغة أشد تعقيدًا: ما الدافع الذي يجعلني أقوم بما إقوم به الآن؟ 

بل أشد: كيف أصبحت هذه المتطلبات اليومية أولويات مقدمة عن عداها؟ 

…. متى تبدل الحُلم؟

****

منذ سن مبكرة ( كمعظمنا، قبل أن نُقحم في أهداف البيئة المحيطة وأولياتها، حين كان يحركنا فضولنا ودهشتنا المُشرعة للحياة  بدوافعنا داخلية)، كان يراودني شعورٌ أن ثمة ماهو أكثر إقناعا مما أراه أمام عيني في المشهد المتفق عليه، وربما كانت هذه هي شعلة البحث،

البحث الذي يبدأ في عمر صغير له مزاياه وعيوبه كذلك، فقد يطول بنا أمد البحث حتى ننسى السبب الذي بدأنا لأجله، السبب الذي تبنيناه ثم خرجنا في رحلة بحث داخلية، وسؤال صامت؛ هل ثمة حقيقة مستترة في مكانٍ ما علينا إيجادها؟ 

ثم يتشكل هذا البحث بأشكال عدة؛ في البداية يختلط بنهم المعرفة والرغبة بالمزيد من الفهم والإدراك، ثم يصبح وكأن هذا الشيء المفقود هو “الأنا” .. وهنا تبدأ رحلة البحث عن “الذات” كأمرٍ مفقود،

بعد رحلة بحث طويلة استغرقت عقدا وأكثر من عمري، بدأت أدرك أن كل ماهو مفقود وهم، (بالذات) ما يسمى “الذات”  فهو حلقة مفرغة،

فلنبدأ بالنقاش يا صديقـ (ت) ي :

كلما ازداد إصرارنا على البحث ازداد الغموض الذي يشعرنا بالتوهان، ويبعدنا عن فهم نقطة الانطلاق الأولى وهي أننا لن نجد أمرا (نقوم نحن بابتكاره) في مكان ما خارج أنفسنا، فالذات أمرٌ نختلقه في كل لحظة، في كل مرحلة، في كل تجربة حياتية .. 

هل حدث لك أن تذكرت شيئا من تفضيلاتك السابقة، لون .. أغنية .. أكلة .. مكان؟ ثم تعجبت كيف كنت أفضل هذا الشيء أو أمارسه؟ 

نحن نتخلّق في رحم الحياة، وعلى طول الطريق تتبدل ذواتنا، هويتنا، مشاعرنا، أفكارنا .. 

الذات، على كل ما تحلمه هذه المفردة من معنى له وقع حقيقي وملموس هي تشبه ما نراه ولا نعرف ماهيته، كالظلال على سبيل المثال! … يتغير في كل التفاتة، في أدنى حركة، ويتسارع هذا التبدل مع كل محاولة للامساك به .. التحكم به فكرة مضحكة حد السخافة،

محاولة إيجاد ذاتي أو التعرف عليها يشبه أن أحاول رسم حدود لظلالي، ممسكةً بقلمي ومع كل اقتراب للظل تتغير حدوده.. أليس كذلك؟! 

مالذي نحاول اكتشافه غير ما نراه الآن في هذه اللحظة ؟ ذواتنا هي ظلالنا، نحن السبب الأول في وجودها، إن حاولنا التعامل معها كهيكل منفصل سنبقى أسرى محاولاتٍ غير منتهية للامساك بها، رسم حدودها،  فهم ماهيتها، هذا أمر لن يحدث، فالظلال سيبقى ظلالا لا هوية له دوننا، هذا ما أقصده هنا بـ “الذات” بعيدا عن جميع التفسيرات النفسية أو الروحانية المعقدة، 

قد يسهّل علينا الرحلة أن نقول أننا في رحلة تشكل لا نهائي للذات لا رحلة اكتشافها، تشكيل الذات لا البحث عنها، نحن لا تكتشف أمر يتغير ويتخلق في أجزاء الثانية.

انها رحلة لا تنتهي بالإيجاد.

هذه ليست دعوة للتوقف عن البحث أو تغيير الاتجاه، إنما حث للعودة إلى الفكرة الأولى التي حرضت فينا هذا البحث، لماذا وإلى أين؟  وهل هناك من سلك طريق البحث ثم “وجد” ما كان يصبو إليه؟ 

لن نستغني عن البحث لكننا سنقبله لا كطريق إنما فكرة، لا كوجهةً إنما آلية؟ 

في هذه المساحة، أفكر .. أتفلسف … أعيد ترتيب الأشياء .. المفاهيم .. المعاني  .. أتحدث بعفويتي دون قيود عدد الكلمات أو حدود مساحة النشر،

وسأطيل الوقوف على ماهية “الفكرة” والتفكير وآلياته واستراتيجياته، والتفكير الإبداعي والنقدي .. 

لأن فكرةً واحدة قد تشعل كقنديلا … يضيء .. فنرفع رؤسنا .. نتلفت حولنا ثم ندرك أننا تماما في المكان الذي كنا نبحث عنه! 

لقد وصلت أخيرًا … 

سناء ناصر / الثلاثاء 24 يونيو 2025

1 thought on “سيرة ذاتية تخصنا جميعًا

  1. دعوة للنقاش : )

اترك رد